أخر الأخبار

°● شَذرات من سُبل التصور الصحيح °●

زيارة: 104

°● شَذرات من سُبل التصور الصحيح °●

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحْبه ومن اتبع هُداه وبعد :

لا يخفى على مسامعكم وقارئيكم ما تضجُّ به الساحة العالمية والعربية على وجه الخُصوص و ما يُدلفُ عليها من فتنٍ ومدُلهمات ، وتهبُّ نحوها أعاصيرٍ وفيضاناتْ . إنّ الثقافة العربية معروفةٌ بأصالتها ونبالتها ومشهورة بعباراتها وشعرها الأصيل النبيل ، فهي غزيرة بالكلمات الشافية ، ووافية لثغور النقص الجارفة ، لها صداها الواسع الذي تُبحر به ، فهي ترطب الصحراء المُجدبة . لها أصُولها المتينة وقواعدها الرزينة ، منهجها واضح ومعلمُها صادح ، يعرفها القاصِ  والداني .
لا تخفى على السامع ، فيُبْصرها القارئ أينما صوّب نظره وأينما حل ضيفاً كريماً بينَ كتبه . لهذا لا بد للإنسان أن يتمسك بالأصول والقواعد العربية الأصيلة التي لها الأثر الواقع في نفس المرء وفي تغيير حياته بشكل كامل وهذا الأمر العظيم لا يتأتى إلا بالعلم والقرءاة والمراجعة والبحث والتنقيب وتكريس الأوقات من أجل أن يتضلع  بالفنون الذي يرغب تعلمها وتعليمها ، لأنه بهذا الفعل يتقوى بِمناعة قوية وحصانة لا بأس بها فلا يمكن لأي أحد أن يغلبه أو يجابهه بسهولة ، فالتسلح شرط أساسي حتى يبرز الإنسان ويبزغ ضُوءه . وإلا لن تُرفع له راية ولن تكون له رواية ويُصبح فقط كالذي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيها .
ولهذا نجد كثير من أعيان الناس ولا سيما هؤلاء الذين يخرجون لنا بعبارات وتصورات وحوارات ليس لها أرضية ثابتة ، فهم ينقشون كلام على بئر ماء ، وهل يُعقل أن ينقش أحدكم على الماء ؟ أيُّ عقلٍ يمكن أن يكون هذا ؟!
 وإنك لتجد  أسلافنا القُدامى ، العلماء الأفذاذ أساطين العلم والفهم الذين بلغوا القناطر في العلوم والفنون ، فلم يدعوا باباً إلا طرقوه وناظروا وحاوروا فحول أهل العلم والتنظير فكانت لهم الكلمات السبّاقة والرنانة التي تصدح بالحق بدليل ساطع قاطع ، يُربك كل قولٍ مائلٌ على سيلٍ جارف . فأمثال هؤلاء من الأئمة الأعلام مثلَ : أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين و شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم ، وابن قدامة وغيرهم الكثير الكثير الذي لا يسع المطاف أكثر من ذلك لكي أذكرهم . فتلك العقول النيّرة التي أضاءت لنا الطريق وأبانت لنا السبيل وأجالت عنا الغمامة وسطعت بالحجة والبُرهان ؛ كان لها السبْقُ في كل شيئ ، ولإخلاصهم الشديد في الطلب ورزانة فهمهم في القول و في تلقيهم هذا العلم برعوا في الفنون ولا زال اسمهم يُذكر إلى الآن .
يا رعاك الله ، تعلم واقرأ وابحث واجتهد ، ليكن جليسك كتابك ، أدمن النظر في الكتب وأخلص نيتك لله عزوجل في كل شيئ ، في كل فنٍّ تقرأ به أخلص النية ولتكن النية هي التعلم والإستفادة ورفع الجهل عن نفسك وعن غيرك ، لا أن يكون مُبتغاك هو أن تتناحر وتناظر وتُجادل وتهذي بلا جدوى . هذا مسلك غير سليم وغير مستقيم حتى يباركك الله في علمك وعملك . واتقِ الله في هذا العلم وتواضع ولا تتكبر واياكَ والعظمة فلا تنجرف في هذا الطريق حتى لا تهلك .
هُناك صِنفٌ من البشر مَنْ يقرأ  مِن هُنا نُتفة ومن هناك نتفة ويتأرجح بين الأقوال ويعوم كثيراً ولا يعرف أي السبل هي الأنجى لهذا تجده دائماً مصروعاً ومُتخبطاً وليس لديه ما يُقوّيه حتى يصلح رأيه وتقوى حُجته ، ذاك الصنف لا يمكن أن يخطو للإمام أو أن يتقدم الدرجات ، لا ، هو طريدَ الأفكار التي لا يمكن أن ينهض بها ، أو أن يبزغ نوره من خلاله ، لسبب هو أنه لا يقرأ ليس لديه نَهَم في تذوق الكلام وتصوره ، وهذا خطأ جسيم عقيم وجُرمٌ عظيم لا يستقيم إلا إذا أجال ذاك الشخص تلك الغُمامة عن قلبه ورفعَ تلك العُصبة من عينيه ووعى أين هو حقاً وهنا أقول كما قال الشاعر :
كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكَ .
هو يدّعي أنه من الطبقة الفلانية أو من الجهة العلاّنية ، أو طبقة الأعلام والقراء والمثقفين ، أو من المستنيرين الذين لديهم الوعي في فهم كل شيئ وهو في حقيقة أمره لا شيئ بين يديه . ” خالِ الوفاضَ تماماً ” .
فهو دائماً ما يُثير الشغب والصخب بلا فائدة ، يطرح قضايا ليس لديه الرؤية الكاملة عنها ولا عن تصورها أوحجتها وبراهينها ، تتملكه الحيرة من كل جانب وتجده في موضع شك ، إذ لا تستنبط من تعليلاته  ما يدل على فهمه الكامل لأي قضية من القضايا المطروحة ، فهو يُشهر سلاحه لكنه يجهل  أين سيصوّب هدفه !
وهذا تصرفٌ أهوج لا ينمُّ على فهمٍ سليم وعقل رزين ، فهو يحتاج لعناية فائقة حتي يُرتق ثغوره ويُمكّن نفسه جيداً ، فإذا استطاع أن يستدرك ما فاته ويعيد النظر من جديد ، فسيجد ضالته بالتأكيد وسيعرف مجاهل الطريق الذي اعترت سيره وغررته بأشخاصٍ خُدع بهم وبعلمهم .
ونتيجة هذا الفعل الأخرق هو لم يتخذ منهج واضح مبني على أسس وقواعد متينة كما أسلفت سابقاً ، فلقد عامَ كما يعوم الطائشون ولا حولا ولا قوة إلا بالله  .
لو أنه سلك مسلك النابغين في طريق التعلم والتثقف لحصّل الخير الكبير ، لكن

من يأخذ من هُنا نتفة ويسمع من هناك ويُعرّج على مسائل هو لا يُدرك حقيقتها فهو  واقعٌ في مزلقٍ خطير ولا سيما ؛ إذا كان يُكرّس جل وقته في الخوض في تلك القضايا سواء أكان بجهلٍ أو بتجهل . يجب على الإنسان العاقل الفطن الذي يرى ببصيرته لا ببصره أن ينظر إلى حقيقة الأمور بعينٍ ثاقبة حيث لا يُغبن ولا يكن بيدقاً للباطل زاعقاً ناعقاً في كل ما يراه ويسمعه ، فنحن نعيش في عصرٍ كَثُرت فيه والبلايا والرزايا وانتشر الكذب بصوره المتعددة المزركشة وأصبح الباطل هوية لاذعة يتسم بها البعض وينخدع بها الآخر ، فالأعداء يتربصون من كل صَوْل وجول ، يُلفق الحق بالباطل والباطل بالحق ولا يعرف الناظر المبتدي إلى أي طريق يمكنه أن يبتدي ، فوجب النظر والإمعان إلى سير أهل الرواية من أئمة الإسلام العظام الذين لم يتركوا شيئاً إلا بيّنوه ووضعوه في نصابه الصحيح .
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

كتبه /
باسل محمد شراب
الثامن عشر من ذي الحجة ل 1439 ه
الموافق ل 29 من أغسطس ل 2018 م
فجر الأربعاء .

اضف رد

*