أخر الأخبار

وعاد النفاق والتملق من جديد بقلم أ/ سليم شراب

زيارة: 300

بقلم / سليم على شراب
ان ظاهرة «النفاق الاجتماعي والسياسي » قديمة قدم البشرية ولكنها انتشرت بكثره في مجتمعنا في الآونة الأخيرة وخصوصا مع بشاير المصالحة الفلسطينية ، ومن الناس من يعتبره تملقا وحفظا للخواطر، لكنه في كل الحالات يبقى نفاقا ووجها آخر مختلفا عن الوجه الحقيقي للشخص، الشيء الذي يجعل الحب الخالص لله بين الأفراد والمعاملة بحسن نية يقل تدريجيا بين أفراد المجتمع، لصاح النفاق الذي نهى عنه الله تعالى وتوعد فيه النافق في قوله جل وعلا في الآية 68 من سورة التوبة وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ .
أن النفاق كلمة مذمومة في كل الملل والنحل، ومرفوضة ذوقا وشرعا ، بل إن الوحي الإلهي بنى حكما قاسيا و شديدا للمنافقين جعلهم في الدرك الأسفل من النار، و النفاق بشكل عام غير مستساغ و لا مقبول كيفما كان نوعه، وحياتنا الاجتماعية تعرف مظاهر كثيرة للنفاق الاجتماعي، ولعل من المنطقي والمنصف أن نميز قبل كل شيء بين النفاق الاجتماعي كانحراف وسلوك غير مقبول وبين المجاملة أو الكياسة أو الدبلوماسية … ، كسلوك مرغوب و مطلوب في كثير من الأحيان لتستثمر الحياة و يكون لها ذوق.
فالمجاملة اصطلاح جميل ومعبر ومقتبس من الجمال، فالمرء حينما يتحلى بخلق المجاملة يحترم الآخرين وعنده لباقة وكياسة في المعاملة والحديث ويحسن الرد وله من الضوابط بحيث لا ينفعل ولا يغضب وهو حسن المعشر ومحبوب عند الناس. أما المنافق فهو مراوغ ويظهر عكس ما يبطن وفي غالب الأحيان يبيت نية خبيثة وهدفه تحقيق مصالحه ورغباته وشهواته ولو على حساب الآخرين، وشعاره في الحياة كل الطرق تؤدي إلى مصلحتي.
فالنفاق ودروبه كثيرة وفي هذا المعنى يقول الحسن البصري رحمة الله: إن أصل النفاق هو الكذب. نفاق أم مداراة بين الأزواج؟
هناك خيطا رفيعا وتداخلا في بعض الأحيان في تقييم بعض السلوكات وتمييزها عن النفاق الاجتماعي ، وأعطى كمثال على ذلك الحياة الزوجية التي من الضرورة أن تتوفر فيها المداراة بين الطرفين. والمدارة لها أهداف ومقاصد وفيها جانب حسن الخلق ورقة الطبع والاحتراز عن إيداء الآخرين، وفيها ملاينة فالزوج أو الزوجة تجاري وتجامل من أجل الحفاظ على البيت وعلى الود و استمرارية التواصل والتوافق و التفاهم المتبادل، حسب نفس المصدر. و قد تكون المدارة عملا شرعيا ، على اعتبار أنك قد تداري وأنت تريد وجه الله، ويظهر ذلك في قوله تعالى مخاطبا موسى وهارون عليهما السلام في مواجهة طغيان فرعون فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى.
وما دمنا نتحدث عن مؤسسة الأسرة فان كثيرا من الزوجات أو الأزواج يشتكون من أن شريكه ( زوج / زوجة) له وجهان وجه اجتماعي يظهره خارج بيته في الغالب منفتح بشوش ومتفائل، متفاعل، متعاون، ووجه آخر داخل البيت يغلب عليه العبوس والتشاؤم والانفعال الزائد. وهذا الأمر كثيرا ما يجعل الحياة الزوجية تعيش حالة من عدم الاستقرار، كما إن الأطفال يعيشون نوعا من التناقض بين صورة الأب / الأم خارج البيت وداخله، ويطرحون سؤالا محيرا لماذا أبونا / أمنا سعيد خارج البيت ومتذمر داخله؟، و الجواب المنطقي في هذه الحالة أبونا / أمنا سعيد مع أصدقاءه ويعيش تعاسة حينما يكون بيننا. ومن هنا أدعو الزوجين والآباء إلى الانتباه إلى هذه الأمور الدقيقة حتى لا يعيشون نوعا من ازدواجية الشخصية، فكلما كان المرء متوازنا في مشاعره ومواقفه ومرنا في شخصيته كلما عاش حياة متوازنة ايجابية سعيدة. التملق لمصلحة لشخصية ومن مظاهر النفاق الاجتماعي التي نعايشها في مجتمعنا لجوء بعضهم إلى تقمص شخصيات ومواقف وأقوال ليست هي الحقيقة، فتجد مثلا موظفا أو عاملا يتملق رئيسه أو مسؤوله طلبا للوصول إلى هدف أو أهداف شخصية، أن هذا الشخص يغير مواقفه وقيمه كلما تغير المسؤول، فهو يميل مع الريح حيث تميل وشعاره الله ينصر من أصبح . وهذا النوع من العلاقة لا يبنى عليها مشروع متماسك ولا نتائج واضحة، بحيث تصبح المؤسسة أو المقاولة عبارة عن حلبة للصراعات والمقالب المتبادلة و العلاقات الحربائية، و هي مع الأسف الصورة النمطية التي تعيشها أغلب مؤسساتنا.
ولا شك أن للنفاق الاجتماعي بهذا المعنى أسباب وحيثيات تحمل الفرد على سلوكه وفق شروط محددة وفي مقام اجتماعي مخصوص. ومن ثم ينساق كثير من الناس مع بعض الأعراف الداعية إلى المداهنة والتملق والرياء استرضاء للغير أو طمعا فيه أو خوفا من غضبه وسخطه أو تفاديا للقيل والقال وكثرة السؤال. لكن شتان بين المجاملة الهادفة إلى الإكبار بمن نحب أو الرفع من شأن من نخشى عليه اليأس والإحباط وخيبة الأمل بذكر محاسنه وسجاياه بصدق وتجرد، وبين التملق الداعي إلى التقرب إلى الغير بمدحه بما ليس فيه بهتانا وزورا. وقل مثل ذلك عن المهادنة التي نسلكها مع من لا نأمن جانبه اتقاء لشره ومكره، والمداهنة التي تستحثنا على التقرب لبعض الأشخاص والتمسح بهم ولو عن طريق الخداع والزيف.
أن المجال السياسي هو أكبر المجالات التي تشهد النفاق بكل أنواعه، فتجد قاموسا من الألفاظ والموافق مضمونه النفخ في هذا المسؤول أو الزعيم و إطراءه لما ليس فيه من قريب أو بعيد و شعار الفريقين أنا أعرف أنك تعرف . والتملق في نظره هو سلم الانتهازيين فتجد بعضهم يتشدق بكلمات وعبارات لا تتجاوز حنجرته وكل جوارحه وحركات جسده ونبرة صوته تكذب مقالته، وفي هذا النوع من العلاقات تفقد المصداقية وتصبح اللعبة السياسية عبث في عبث لأنها تفتقد الصدق والمصداقية. ومن اجل علاج مظاهر التملق والنفاق عليك بالوسطية في التعبير، وعدم جلد الذات والناس أيضا، لأن التعامل بقسوة وشكل مباشر يعتبر منحى مرفوضا أيضا و لن تبنى عليه حياة متوازنة، وإيجابية. وكلما اقتربنا من الوسطية ومن الشخصية المتوازنة المرنة الصادقة، التي تعرف كيف ومتى تتصرف التصرف الحكيم كلما استطعنا أن نتخلص من شيء اسمه النفاق الاجتماعي.
أن النفاق الاجتماعي المتصل بالأعراف السائدة وما لها من سلطان قاهر في نفوس الناس وعقولهم، هي السبب في ذلك النوع من الشرخ الحاصل بين الباطن والظاهر. فمن الناس من يضمر في باطنه غير ما يظهر للناس، وقد يصل الشرخ مدى صارخا ينبئ بوجود اضطراب بالغ في الشخصية نتيجة الصراع الحاصل بين ما يجده في نفسه إحساسا وفكرا وبين ما يريد أن يراه الناس عليه. ولذلك نجده يبدد طاقة كبيرة ويبذل جهدا موصولا ومضنيا لإبداء ما يود كشفه وإخفاء ما يتمنى ستره. لكن ما يلبث أن يبدو للناس امرؤ ذو وجهين متباينين غير متوافقين يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول. وما من شك في أن استواء الباطن والظاهر دليل على الصحة النفسية بما تعنيه من توازن وتناغم وتكامل بين المكونات النفسية والاجتماعية، وانسجام بين المظهر والمخبر وبين القول والفعل .

اضف رد

*