أخر الأخبار

حِصارٌ اسمهُ الماضي .. بقلم صدقي ممدوح شراب

زيارة: 318

حِصارٌ اسمهُ الماضي

 

صدقي ممدوح شراب

صدقي ممدوح شراب

الماضي في القاموس هو الزمان الذاهب المُنقضي، و الماضي هو السيف الحادّ، فلا غَرْوَ أن يكون الزمان المُولّي هو سيفاً حاداً في نفس الآنِ حيثُ يُقطّع أوصال الشعور كُلّ مرةٍ فتنبتُ ثم يقطعها و هكذا دَواليْكَ إن كانت الأحداث محفورةً في الذاكرة تتجدّد كل حينٍ و حين.

الماضي من الذكريات و الذكريات من الماضي، فإن كانت تلك حُلوةً و جميلة فإن الماضي هنا يتحوّل إلى حنين، وتختلف درجة الحنين حسب قوة الذكرى و شدّة جمالها، فإن بلغت من الجمال مداهُ يكون الحنين مُبْرحاً، قاضياً على صاحبهِ أحياناً، و ينشأُ ألمٌ منبعه الحسرة على تلك الأيام التي لن تعود –مثلاً- أو على الصّحْبِ الذين فارقونا أو الأماكن التي تركت أثرها الحَسن في النفس.

تُشْعِلُ الحنينَ رائحةٌ تشمُّها و أنت تمشي أو و أنت جالسٌ في مكانك، في أيٍّ حالٍ كنت، رائحةٌ تأتي من مكانٍ ما. الشرط في هذه الرائحة أن تشبهَ رائحةً كانت موجودة و مرتبطة بحَدثٍ عظيم عِشْتَهُ مُسبقاً، عِشْتَهُ بلهفةٍ و سعادةٍ غامرة. فبمجرّد أن تشمها حتى تتغير كيمياء جسدكَ فجأة، و تُغلّفُ القلب حالةٌ من الشجنِ الجميل، ثم تدرك أن هناك تنهيدةً محبوسة تُريدُ أن تطلقها في الفضاء الرحب، كنوعٍ من التفريغ و التخفيف.

ثم يندلعُ المشهدُ أمامك، تحسُّهُ أمامك، يحوّطك، يشملك، تراهُ بتفاصيله و ألوانه، تعلمُ أنه وهم لكنك تستشعره تماماً، كيف تهيّأ و ارتسم؟ لا تدري .. إنه العقل، معجزة الله في الإنسان! تعيش المشهدَ مرةً أخرى، تعيشهُ بألمٍ عذب وديع، و التنهيدات تفرُّ منكَ كأنها عصافيرٌ جائعة طارت لتبحث عن القوت. تأخذ بعدها تبحثُ في الذاكرة، تُفتشها، عن كل ماله علاقة بتلك الذكرى التي جاءتك دونما موعد، فتدخلُ في حصار الماضي الذي لا يمكن لك أن تعرف مُدّته و لا إن كان سينقطع أم سيعود.

و قد يُشعلُ الحنينَ صوتٌ، و قد يُشعلهُ منظرٌ ما .. إن الأمر كله منوطٌ بالحواس التي تم استعمالها في أحداثٍ عظيمة غمرتنا بالسعادة و الجمال في يومٍ ما.

الماضي من الذكريات و الذكريات من الماضي، فإن كانت تلك مُرّةٌ صعبةٌ قاسية، فلا نُسمّي ذلك حنيناً؛ لأن الحنين يكون للأشياء الجميلة فقط، يتحوّل الماضي هنا إلى كابوس، وحش حادّ الأنياب لا هم له سوى الانقضاض عليك و إقلاق حاضرك و تخويفك من المستقبل. و هذه الحالة مخيفة جداً، لمَا يُصاحبها من قلقٍ و كآبة قد تمتد معك لأيام، تصبحُ سجيناً بمعنى الكلمة لماضيك و أخطائكَ لا يمكنك الفرار منه مهما فعلت، فهو يخرج لك من الكتاب الذي تقرؤه، من الصور التي تشاهدها، من الأصوات التي تسمعها، حصار عنيف ممتدّ سجّانُهُ الوقت و جلّادُهُ الذكرى.

ما يجعل تلك الحالة أكثرَ ضراوةً هو الندم الناجمُ عنها و معها، و النّدمُ مفترِسٌ آخر، يتشكّل في نقطةٍ عميقة من الضمير، ثم يكبر و يتضخم إلى أن يسيطر على صاحبه تماماً فلا يجعلكَ قادراً حتى على إحداثٍ ثُقْبٍ صغير في الدوامة التي تحتويك تنظر منه خارجاً أو يدخل منه هواءٌ جديد.

حزنُ الحنينِ جميل، يشبهُ وجه البحيرةِ الرائق في مساءٍ وحيد، بينما حزن الماضي الحافل بالأخطاء و الألم، مُضّطرمٌ أهوج مثل العواصف العاتية التي تقلع الأشجار من جذورها، و كلاهما حصارٌ سببهُ النفسُ و جُملة المشاعر التي تُكوّن وجدان الإنسان.

في فن التدريس يذكرون الفروق الفردية بين التلاميذ، و يقصدون الفروق العقلية بين كل تلميذ و آخر حيث يجب مراعاة ذلك أثناء ممارسة عملية التعليم. و أقول أن هناك فروقاً فردية في العاطفة أيضاً، و درجات في الإحساس تختلف من إنسان إلى آخر، لهذا لا يكون وَقْعُ المُصيبة-مثلاً- واحداً على جماعةٍ من الأفراد، فدرجة التأثُّر ستكون عظيمة عند أصحاب الحِس الرقيق و عادية عند الذين لا يملكون إلا اليسير من الإحساس، نفسٌ رقيقة و أخرى شديدة، فإذن حصار الماضي سيختلفُ تِبعاً لتلك النفس و مدى امتلاكها من الرقّة أو الشدة.

هؤلاء الذين يملكون حِسّاً مُرهفاً، يُعانون حقاً إذا ما تملّكَ منهم الماضي، يقضون وقتاً مليئاً بالحزن و العذاب. إن (جان جاك روسو) عندما وصف السعادة الحقيقية، ذكر أنها ذلك الوقت الذي نعيشه دون الحاجة إلى تذكّر الماضي و لا القفز نحو المستقبل.

لكن تبقى النفسُ ضعيفة و أمَارة و ليس يسهل كبح جماحها، فإن توفّرت ظروف الحصار سندخلُ فيه دون أن ندري، و أيضاً نخرجُ منه دون أندري .. أقصد ذلك الحصار الذي اسمه الماضي.

اضف رد

*