أخر الأخبار

خان يونس القديمة أو حكاية المنتزه و الجامع الكبير . بقلم صدقي ممدوح شراب

زيارة: 889

 

صدقي ممدوح كامل شراب

صدقي ممدوح كامل شراب

في العهد المملوكي قام كبير وزراء الملك برقوق (يونس النوروزي) ببناء خان أو نُزل من أجل راحة المسافرين و التسهيل عليهم في تلك البقعة من مدينة خان يونس الحالية، حيث تم إنشاء مُصلّى صغير داخل الخان الذي تم إعادة بناءه فيما بعد في عهد الدولة التركية ليصبح قلعة عسكرية من أجل حماية القوافل و المسافرين بين دمشق و القاهرة، هذه القلعة باقية إلى الآن و يُطلق عليها (قلعة برقوق(.
ظلَّ الناس يصلون في ذلك المسجد الصغير داخل القلعة حتى عام 1928 م ، لم تكن الحياة مقتصرة داخل القلعة فقط، بل إن الناس توسعوا و انتشروا و امتدوا و سكنوا الأراضي المحيطة بالقلعة فزاد عددهم و تبيّنت ملامح المدينة الأولى و حدودها الجديدة، لم يعد المسجد الصغير يكفي و لا موقعه يصلح، و هكذا حتى تم بناء و تشييد الجامع الكبير في ذلك العام، بهذا يكون هو أول مسجد بُني داخل حدود المدينة الجديدة التي صارت تأخذ اسم (خان يونس) و بهذا يكون له بُعده التاريخي و الأثري و أهميته في ذاكرة المدينة. وفي عام 1954 تم توسيع المسجد و بناء مئذنة له. عندما كنت أدخل الجامع الكبير أشعر بالنقوش و الزخارف تملأ خيالي، و قلبي يصيرُ فضاءً واسعاً لكل حمام الأرض، و أحلّق ما شاء لي التحليق مستشعراً طعم مساجد القاهرة و دمشق و بغداد، أُصلّي كأن الصلاة بألف صلاة و كأن النخلة القائمة في وسط باحته من أندلس الزمان. كانت للمسجد بوابتان شمالية و جنوبية، و كان الهوى يأمرني أن أدخل من الشمالية و أخرج من الجنوبية، لا أعرف لماذا و أجل السبب تماماً، هكذا كنت أرتاح و هكذا تستقيم رغبتي و ميولي. مرة جربت أن أدخل من البوابة الجنوبية، فامتعض قلبي و تيبّس النبض و نشفت الروح، كأني خالفتُ قانوناً من قوانين الطبيعة فألزمتني العقاب
أحببت الباحة التي في وسط المسجد، تطل على السماء مباشرة و في منتصفها نخلةٌ قديمة فارعة الهيبة و الطول، ربطتني بها علاقة عشقٍ قوية، إذا ما وضعت يدي الصغيرة على جذعها سرت في جسدي كهرباء خفيفة و نهضت من عواطفي شجرة التوت التي ترغب في الجوار و السُّكنى، عندما قطعوا تلك النخلة أقمت مأتماً في روحي، تلبّسني الحزن و اليباس، و أحسست أن الذي حصل جريمةٌ كبرى، حيث لم أجد داعياً لقطعها، لقد كانت نخلتي تعطي المسجد لمسة بارعة من الحسن و العراقة، و كان البلح المتساقط تحتها كأنه عروقٌ في الرخام أو نجماتٌ في سماءٍ تقف عليها النخلة، و العصافير التي كانت تعشش بين جريدها و سعفها ليست سوى مصابيحٌ تضيء النهار نفسه و تشيع بهجةً و أُلفةً و سلاماً في المُصلّين و المئذنة العالية. كرهت الدخول بعد ذلك إلى المكان، لم أستطع و قد قتلوا حبيبتي النخلة، و قتلوا ظل جريدها على البلاط في الظهيرة، لم أستطع و أنا أسمع نواح العصافير المهاجرة و مع كل الغربة التي سكنتني، لم أستطع الدخول دون كاميرا نيجاتيف كبيرة أسلط عدستها على الباحة الخالية من النخلة!
بعد ذلك عندما كبرت وصارت القهوة نديمتي، لم أختر أن أشرب قهوتي إلا و أنا أطلُّ على واجهة المسجد، القلعة كانت قُبالة المسجد مباشرة و المساحة التي أمام القلعة كانت مرصوصة بالكراسي حيث يمكنك الذهاب و تطلب القهوة من أحد الباعة المتواجدين هناك، تحت سور القلعة الشمالي يوجد بائع مشروبات ساخنة بكرّوسته و أدواته، عند بوابة القلعة هناك أيضاً واحد و تحت سورها الجنوبي يوجد بائع ثالث، كل واحد من هؤلاء له كراسيه و زبائنه، و كنت أختار الذي عند البوابة لأنه في مواجهة المسجد، إنني أتذكر الطقوس و الأجواء كأنها حدثت في الأمس : المساحة الرملية التي رُصّت عليها الكراسي و التي تم رشها بالماء و تمشيطها، مُعلّقة في ذهني كأعرق لوحة، الوقت الذي يسبق الغروب بساعة، وقتٌ له رائحة هي مزيج بين الأُلفة و السلام و النقاء، الإسكافيّ القريب، بائع المهلبية في مدى البصر الذي إذا ما تكلمت معه تحبه على الفور من أجل لهجته الحُلوة، سألته مرة بعدما طلبتُ طبقاً من المهلبية : لهجتك لا تشبه لهجة أهل البلد، قال و قد تحول جبينه إلى قمر : أنا أصلي من (اللّد) و هذه هي لهجة أهل اللد، لم تفارقني و لم أفارقها رغم سنوات التهجير و البعد، لهجتي هي حبيبتي الأولى و هي طفلتي، و اللد آه من جمال اللد، إنها أجمل البلاد، حنيني لها لا ينطفئ أبداً ما دمتُ حياً. أتناول من يده طبق المهلبية فأحسُّ و أنا آكلها بأن طعمها يشبه اللد، و أن العسل فوقها هو من رحيق بساتين اللد.
عابرون، حوانيت، مبنى البلدية القديم، سيارات مصفوفة، تتحرك، مصاطب حجرية، نُصب الجندي المجهول، سوق الحَبّ و العطارين في آخر الشارع، أصوات، قطةٌ تحت الكراسي، مشاهد و مشاهد كلها تتناغم مع واجهة المسجد أمامي بشبابيكه العتيقة التي تأخذك بشكلها إلى عُمق الزمان و نوستالجيا تتصاعد من كل خليةٍ فيك، مع كل رشفة قهوة كنت أتنفس حجراً، و أمتّع وجداني بجملة “مسجد الجامع الكبير” المكتوبة بخط النسخ أعلى الواجهة. دائماً أقول أن القهوة تتأثر بالمكان الذي تحتسيها فيه، هناك فرق في النكهة و المذاق حين تحتسيها في غرفتك و بين أن تحتسيها على سطح البيت، حين تحتسيها داخل مقهى في وسط المدينة و بين أن تحتسيها أمام البحر، أجد اختلافاً في نكهتها كلما غيّرت المكان و تتزايد حدة رائحتها أو تتناقص تبعاً لجو المكان أيضاً، كان أمتع فنجان قهوة هو الذي أحتسيه تحت القلعة و أمامي الجامع الكبير. في عام 2012 تم ترميم الجامع بشكل جميل، من الداخل و الخارج، و أسعدني ذلك حقاً، غمرتني فرحةٌ عظمى لأجله شعرتُ تجاهه تماماً شعوري تجاه طفلٍ أحبهُ اشتروا له أهله ثياباً جديدة في العيد فأشرق وجهه و ضحكت عيناه، بعد الترميم اشتهت نفسي دخول المسجد و استطعت إقناعها بذلك حيث أريد الاطمئنان عليه و أرى ثوبه الجديد فأسعدُ بسَعْدهِ، سلّمت على الحيطان و الأعمدة، صافحت النوافذ، حضنتُ المنبر و المحراب، ذاع العطرُ القديم من جمجمتي و انغمست في المكان كأني جزءٌ منه، تجوّلتُ حتى وصلتُ موضع النخلة القديمة فغطّى الغيمُ الأسودُ سماء قلبي، لمستُ الهواء الذي كان مكانه الجذع الكبير الطويل علّني أصطدم بشيء، ثم شممتُ يدي و خرجت!
بعد الترميم الأخير بسنتين سمعتُ أخباراً عن أنهم سوف يهدمون الجامع الكبير، لبناءِ آخراً على الطراز الحديث، يتكون من أدوار و بتصميم أحلى و أرقى! لم أكن أتصور أن يحدث ذلك أبداً، ندفن تراثنا و تاريخنا بأيدينا، كيف يفكر هؤلاء، من أين يأتون بالمنطق .. حقاً لا أدري! إنها مهزلةٌ كبيرة، القيمة التاريخية للجامع أعظم من أي شيء، أعظم من أي تطوير و حداثة، أعظم و أجل من أي فكرة، إنه لا بد أن يبقى هكذا بأصله و أساسه، لا بأس من الترميم مادام غرضه التحسين و الحفاظ على البقاء، لم يمضِ عامان على الترميم ثم يفكرون الآن بهدم المسجد و بآخرٍ جديد يحل مكانه .. إنها كبرى المهازل، لا شك !
للأسف أني لا أمتلك أي قوة، أي شيء خارق للطبيعة حتى يمكنني أن أقاوم ذلك الذي يحدث و الذي سوف يكون، لكنتُ حارساً أبدياً على الجامع و نفيتُ كل من يحاول أن يزيل حجراً منه، لقد كانت من أغمق اللحظات في حياتي و أنا أراهم يزيلون المئذنة، كل ما حولي أسود، سمعي أسود، نظري أسود، قلبي أسود، بالنسبة لي لم يكونوا يهدمون مئذنة بل تاريخاً َ!

في نكسة حزيران 1967 احتلت إسرائيل ضمن ما احتلته “قطاع غزة” و بقي الحكم المدني في القطاع تابعاً لإسرائيل حتى قدوم السلطة الوطنية بقيادة (ياسر عرفات) في عام 1994 بناءً على اتفاقية أوسلو، فأصبح الحكم المدني في يدها و بدأت السلطة بإنشاء المرافق المدنية في جميع مدن القطاع.

في المساحة الواقعة بين القلعة و الجامع الكبير تم إنشاء منتزه جميل، أعطى لمسةً خضراء بديعة في المكان الذي يُعتبر هو وسط المدينة تماماً، و في وسط المنتزه كان نُصُب الجندي المجهول، تكريماً للجندي المصري الذي حارب هنا و استُشهد. فرِحَ الناس كثيراً بالمنتزه حيث كان أول حديقة و أول نَفَس، يذهبون في الصباحات و العصاري، يأخذون أطفالهم و أحلامهم و شايهم و يجلسون بالساعات ما بين كلامٍ و صمت و تأملات. و في الليل يسهرون و يتسامرون، ليلٌ ساحرٌ بسيط تُربّيه على حِجْرِكَ و تمسح عليه مثل قطٍ لطيف. يحدُّ المنتزه من الشرق القلعة بشكلها التاريخي العريق، بينهما شارعٌ يربط بين سوق العطّارين و مركز المدينة، غرب المنتزه الجامع الكبير بمئذنته الشامخة و قبّته العتيقة، بينهما شارعٌ رئيسي (شارع جمال عبد الناصر) و من الجنوب مبنى البلدية القديم و هو ذو طابعٍ أثريّ، فالجالس في المنتزه يدخّن سيجارته أو يقرأ جريدته و كتابه، أو يشرب شايَهُ الحبيب، يكون محاطاً بتاريخ بلدته و شواهدها القديمة، كان جلوسي هناك طقساً مُقدّساً، يلمس عُمْق الوجدِ و الخيال، أنظر إلى الجامع فكأني الواعظ الخطيبُ الإمام، أرقبُ القلعةَ فأكني الفارسُ القائدُ الهُمام، و حين يحطُّ نظري على مبنى البلدية القديم يتناهى إلى روحي أصوات الذين سكنوه و مشاكلهم و قضاياهم، تخترق حاجز الزمان و تعبرني. بين القلعة و المنتزه ناسٌ يمشون، بين القلعة و الجامع آخرون، أحب خَطْوهم و إيقاعهم، إنهم أُنْسُ الأرضِ و جذرها !

أما بعد : كل الذي حدث كمن اشترى ثوباً أبيضاً ناصعاً ثم علّقهُ في مكانٍ عُرضةٍ للغبار و الشمس و تركه ثم لم يعنهِ من أمره شيئاً ! المسؤول سيءٌ و الناسُ أسوأ، بعد سنواتٍ قليلة ذبُل البستان، لا من قلةٍ في الماء بل لأن صاحبهُ مُهمِلٌ و العاملون فيه جهلةٌ كُسالى. بدأ المنتزه مرحلته في التغيير إلى الأسوأ، أخذت النظافة فيه تتراجع، و إشراقاته تنعدم، كَلَحت الأشجار و المقاعد، تقشّفت و تقشّرت، نافورته امتلأت بالطحالب و القاذورات ثم تعطّلت، بهت السور و خفّت منه العصافير الجميلة، و ظلّ هكذا حتى صار المكان أسوداً بغيضاً لا يأتيه إلى الأراذلُ، ثم أخذ يطعن في السوء و القباحة حتى تم إصدار قرارٍ بإزالته ! حقاً لا أدري كيف نترك الأمور تفلت هكذا من أيدينا، لمَ لا نتابعها و نلاحظها و ننظرَ فيها بطريقةٍ تليقُ بأصحاب عقلٍ و رسالة .. تباً لكل شيءٍ هنا !

 

 

 

اضف رد

*

2 تعليقان

  1. علي تيسير علي شراب

    يا ابوممدوح

  2. علي تيسير علي شراب

    ساق الله على ايام زمان