مقالات

فتح والسلطة.. جدلية الثورة والسياسة… د.ناجي شراب

فتح والسلطة.. جدلية الثورة والسياسة

د.ناجي شراب

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر

drangish@hotmail.com

توضح العلاقة بين فتح كتنظيم ثوري جماهيري والسلطة السياسية أحد أهم أبعاد العلاقة السياسية المعقدة والمتشابكة بين التنظيمات والأحزاب الفلسطينية والسلطة السياسية، وأحد أهم معضلات الديمقراطية والإصلاح السياسي. فمن الأمور المسلم بها أن الديمقراطية تقوم على إقرار مبدأ التعددية السياسية ومبدأ المشاركة السياسية في صنع القرار عبر عملية تداول للسلطة تتم من خلال انتخابات تنافسية دورية. وهذا من شأنه أن ينهي ظاهرة الحزب أو التنظيم المهيمن والمسيطر على مصادر القوة والسلطة في المجتمع. وفي ظل هذه القواعد تحل قيم ومعايير جديدة لتحديد مكانه حزب أو تنظيم سياسي ما، والقواعد المشاركة والشراكة السياسية بين القوى والتنظيمات القائمة وفي مقدمة هذه القواعد بالتأكيد إقرار مبدأ الانتخابات الدورية التي عبرها يثبت كل تنظيم أن الأجدر شرعياً على تمثيل أو كسب تأييد المواطنين بإقرار برنامجه السياسي، وهنا أيضاً تبرز أهمية قاعدة العقلانية والموضوعية كأساس وإطار لتحديد شرعية من يحكم أي الإقرار بوجود قواعد ومبادئ موضوعية بدلاً من الحديث عن قواعد وشعارات عامة تجاوزها الواقع السياسي والاجتماعي التغير.

هذه المقدمة كان لا بد منها وأنا أتحدث عن العلاقة بين فتح والسلطة، وابتداءاً لا بد أن أسجل أن لفتح كتنظيم ثوري سياسي دَوْران: الأول ايجابي والآخر سلبي، أما الدور الأول فيتمثل في دور فتح كتنظيم ثوري قاد حركة النضال الفلسطيني على مدار سنوات طويلة، وهي التي قادت طريق المفاوضات الذي أوصلنا إلى توقيع اتفاقات أوسلو وتوابعها وما ترتب عليها. الأمر الايجابي هنا يتمثل في إقامة مؤسسات السلطة السياسية، والتلاحم المباشر الأول بين ركني الأرض والسلطة، حتى ولو لم تكن الأرض قد حررت بالكامل، فلا شك أن هذه تمثل مرحلة سياسية جديدة في النضال الفلسطيني. فالسلطة السياسية إما أن تنشأ عبر انتفاضة أو ثورة طويلة تنتهي بإقامة دولة و مؤسسات وسلطة، وإما أن تتم عملية تبار السلطة بطريقة سلمية. هنا فتح نجحت بلا شك في أن تؤسس مؤسسات سياسية دون دولة. ونتيجة لذلك هيمنت فتح على مؤسسات السلطة السياسية التنفيذية والتشريعية وذلك منذ عام 1996م دون أن ينازعها أحد، حيث أن انتخابات عام 1996م والتي انبثقت عنها مؤسسات السلطة كانت فتحاوية في المقام الأول.

وهنا انزلقت فتح إلى المعضلة أو الأزمة التي تواجهها الآن. فمن ناحية وبعد عشر سنوات ودخول الانتفاضة الثانية لم تعد بنية السلطة السياسية هي ذاتها بل أصبحت أكثر تعقيداً ودخلت مكونات وعناصر جديدة، بل برزت مفاهيم وقيم سياسية جديدة أولها تغيير مفهوم السلطة السياسية وعقلية المؤسسات، بعد أن كانت تُدار عبر عقلية منظمة التحرير وفردانية.القرار السياسي.

ومشكلة فتح هنا، أن فتح نفسها قد أصابها التغير والتبدل، بعض ملامح هذا التغير الوهن والكبر الذي لا بد من التخلص منه بتجديده وتقويته، وبعضه يتعلق بقواعد الشراكة السياسية، والثالث يتعلق بمنظومة جديدة من المفاهيم والقيم، ورغم التغير الذي لحق ببنية السلطة السياسية، ظلت فتح تدير هذه المؤسسات السلطوية بنفس العقلية ونفس المنهج والآلية دون أن تغير من هيكليتها وبنيتها التنظيمية والفكرية ودون أن تجري مراجعة لبرنامجها بما يواكب التغيرات البيئية ويستجيب لها، بل إنها أكثر من ذلك ظلت مهيمنة على مؤسسات السلطة السياسية التنفيذية والتشريعية والأكثر خطأً أنه عبر لجنتها المركزية يمكن أن تتخذ قرارات سياسية عامة، وكأننا بذلك أمام نموذج للأنظمة الاشتراكية بعيد للاذهان دور الحزب المسيطر الأحادي.. وكان لهذه العلاقة سلبياتها، فمن ناحية انعكس أداء السلطة وتراجع فعاليتها على حركة فتح، فتحملت فتح كل أخطاء وسلبيات السلطة السياسية مما أصابها بالوهن التنظيمي والفكري.

وبدلاً من البحث عن صيغ لحل الأزمات والمشكلات والتي من أبرزها التوافق على صيغة ونموذجاً للمشاركة السياسية الحقيقة أولاً داخل التنظيم نفسه، ظلت اللجنة المركزية هي بؤرة صنع القرار الحقيقي للتنظيم وللسلطة معاً وهمشت أو غيبت دور القاعدة العامة ولم تستدعى فقط إلا في أوقات الانتخابات. حتى هذه المسألة ظلت قائمة نظرياً من منطلق أن فتح تنظيم جماهيري وبالتالي الكل ينتمي إلى فتح. هنا لا بد من بناء القاعدة العامة عل أسس ومعايير جديدة في الانتماء والمشاركة.

وهذا هو الجانب السلبي الثاني الذي تعاني من أعراضه فتح الآن: صراع أجيال، خلل أو ضعف تنظيمي، تراجع فكري، تأرجح ما بين الثورية والاعتبارات السياسية. فتح تحتاج هنا إلى إعادة اكتشاف هويتها التنظيمية والسياسية بما يحتضن كل أهدافوآمال وطموحات وتطلعات الشعب الفلسطيني.

وازدادت الأمور سوءاً وتعقيداً أنْ ظل منحنىالبيئة السياسية يتغير بشكل متوالية هندسية أما منحنى الحركة فيتغير بمتوالية حسابية، وتعمقت الفجوة بين الاثنين وهذه عموماً معضلة أي تنظيم مسيطر ومهيمن في دول العالم الثالث. فدخلنا مرحلة الانتفاضة الثانية التي أبرزت عناصر وقوى جديدة وفرضت قيم وثقافة جديدة تتأرجح ما بين المقاومة والبناء والتغيير والإصلاح، فمن ناحية السلطة وبحكم وظائفها السياسية مطلوب منها أن تقوم بوظائفها العادية من استجابة لمطالب الناس المادية والمعنوية، ووظيفة الأمن والاستقرار ووظيفة المفاوضات وإقامة علاقات متوازنة، وفي الوقت ذاته تواجه معضلة الاحتلال والمقاومة فكانت رموز المعادلة صعبة والنتيجة الحتمية بروز ضرورة إعادة النظر في بنية السلطة السياسية وقواعد الشراكة السياسية ووجود تنظيمات وقوى سياسية فرضتها ثقافة الانتفاضة، فكان الإصلاح حتمياً ولا مندوحة عنه، فهذا يشكل مخرجاً وحلاً لهذه المتغيرات البيئية الجديدة.

وأصبحنا نواجه واقعاً سياسياً جديداً يتطلب من ناحية إعادة بناء السلطة السياسية على معايير جديدة من الشراكة السياسية، وإعادة النظر في العلاقة ما بين مؤسسات السلطة السياسية الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بالتأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات والتأكيد على مبدأ سيادة القانون.

أما الجانب الثاني فيتمثل في أن تعيد فتح بناء نفسها بما يتناسب والمعطيات الجديدة وإن تتعامل على أنها تنظيم أو حزب سياسي يسعى للسلطة، لكنها ليست السلطة فالسلطة لها قواعد ومعاييرها العامة، وللتنظيمات قواعدها ومعاييرها الخاصة بها. وأنها إذا أرادت الاحتفاظ بالسلطة فطريقها تأييد المواطنين عبر صناديق الانتخابات وهذا يتحقق عبر برنامج سياسي شامل يخاطب قضايا الناس الاقتصادية والاجتماعية الحافزة والمستقبلية وهكذا فنحن أمام قواعد جديدة للعبة السياسية لا يمكن التعامل معها بنفس القواعد القديمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق